الدكتور وليد شنيقات

مستشار أول الطب النفسي وعلاج الإدمان

الثورة الصامتة: كيف يُعيد الالتهاب تشكيل فهمنا للأمراض النفسية

لعقود من الزمن، عانى الطب النفسي من قيد عميق: فهو، على عكس طب القلب أو الغدد الصماء، يفتقر إلى فحوصات دم لحالات مثل الاكتئاب أو الفصام. يستطيع الطبيب قياس سكر الدم لتشخيص السكري، لكن الطبيب النفسي يضطر للاعتماد على الأعراض والسلوك وما يرويه المريض عن نفسه. لكن ثورة هادئة تعيد الآن تشكيل فهمنا للعقل، ولا تبدأ في الدماغ وحده، بل في الجهاز المناعي. ففي مختلف المراكز البحثية في عمان ولندن وبوسطن، تتضافر الأدلة لتشير إلى أن الالتهاب المزمن منخفض الدرجة قد يكون محركاً خفياً لاضطرابات نفسية كبرى. وهذه الرؤية ليست أكاديمية فحسب، بل تعد بتغيير طريقة تشخيصنا وعلاجنا بل وإزالة الوصمة عن المرض النفسي في الأردن وخارجه.

لفهم هذا الارتباط، يجب علينا أولاً إعادة النظر في معنى الالتهاب في حياتنا اليومية. فالالتهاب بالمعنى المتداول هو الاحمرار والتورم اللذان يليان الجرح أو العدوى، وهما علامة على أن الجهاز المناعي يحارب الغزاة. لكن هناك شكل آخر من الالتهاب، خفي وصامت، يشتد في الجسم لأشهر أو سنوات. لا يُقاس هذا النوع بالألم أو الحمى، بل بارتفاع مستويات جزيئات تُسمى السيتوكينات، مثل البروتين المتفاعل C والإنترلوكين‑6. تستطيع هذه الرسائل الكيميائية، عندما تظل مرتفعة لفترة طويلة، أن تعبر من مجرى الدم إلى الدماغ عبر مناطق يكون فيها الحاجز الدموي الدماغي أقل إحكاماً. وحالما تصل إلى الداخل، تُغيّر عملية التمثيل الغذائي للناقلات العصبية، وتُقلل من توفر السيروتونين والدوبامين، بل وتُغير أيضاً طريقة تواصل الخلايا العصبية فيما بينها. وباختصار، يستطيع الالتهاب أن يحفز الكيمياء العصبية ذاتها المسؤولة عن الاكتئاب والقلق والضباب الذهني.

الدليل السريري على ذلك أصبح كبيراً الآن. فتحليل تلوي بارز نُشر عام 2019 في دورية JAMA Psychiatry شمل بيانات أكثر من 85 ألف فرد، ووجد أن الأشخاص الذين لديهم مستويات مرتفعة من البروتين المتفاعل C في الأساس يواجهون خطراً أعلى بكثير للإصابة بالاكتئاب لاحقاً. وبالمثل، فإن المرضى الذين يعانون من اضطرابات المناعة الذاتية كالتهاب المفاصل الروماتويدي أو داء الأمعاء الالتهابي يصابون بالاكتئاب الشديد بمعدل يبلغ ضعف المعدل بين عامة السكان. واللافت أن هؤلاء المرضى، عندما يتلقون علاجات مضادة للالتهاب، يتحسن مزاجهم غالباً بشكل مستقل عن أعراض المفاصل أو الأمعاء. وهذا يشير إلى أن العملية الالتهابية نفسها ليست مجرد متفرج، بل تساهم بشكل مباشر في المعاناة النفسية.

بالنسبة للأطباء الممارسين في الأردن، يحمل هذا التحول النموذجي آثاراً فورية. الأولى هي تشخيصية. فحالياً، شاب يبلغ من العمر عشرين عاماً يعاني من إرهاق وانسحاب اجتماعي ويأس قد تُشخص حالته على أنها اضطراب اكتئابي كبير، ويُعالج بمضادات الاكتئاب التقليدية. لكننا نعلم أن نحو واحد من كل ثلاثة مرضى بالاكتئاب لا يستجيب للأدوية المضادة للسيروتونين من الخط الأول. كثير من هؤلاء غير المستجيبين لديهم مؤشرات التهابية مرتفعة. إن قياس البروتين المتفاعل C عالي الحساسية، وهو فحص دم رخيص ومتوفر على نطاق واسع في مختبرات الأردن، يمكن أن يساعد في تحديد هؤلاء الأفراد. المستوى المرتفع لا يعني أن الاكتئاب “جسدي” بدلاً من أن يكون “نفسياً”، بل يعني أن هناك نمطاً حيوياً متميزاً، يُسمى أحياناً بالاكتئاب المناعي، قد يستجيب بشكل أفضل لاستراتيجيات مختلفة.

الاحتمالات العلاجية مثيرة بنفس القدر. فرغم أن الأدوية المضادة للالتهاب لم تُعتمد بعد كعلاجات منفردة للاضطرابات النفسية، أظهرت التجارب المبكرة نتائج واعدة. ففي تجربة سريرية عشوائية محكومة عام 2017، تبين أن إضافة دواء السيليكوكسيب المضاد للالتهاب إلى مضادات الاكتئاب التقليدية حسّنت النتائج بشكل ملحوظ في حالات الاكتئاب المقاوم للعلاج. والأكثر إثارة للاهتمام، أن الأبحاث الناشئة تشير إلى تدخلات في نمط الحياة تخفض الالتهاب بشكل طبيعي. فالتمارين الهوائية المنتظمة، والنظام الغذائي المتوسطي الغني بزيت الزيتون والأسماك الدهنية، والنوم الكافي، وتقنيات تقليل التوتر مثل اليقظة الذهنية، كلها ثبت أنها تقلل السيتوكينات المنتشرة. بالنسبة لكثير من المرضى، هذه التدابير ليست مجرد إضافات ثانوية، بل قد تستهدف مباشرة العملية الالتهابية الجذرية التي تغذي أعراضهم.

لكن يجب علينا أيضاً أن نبدي تحذيراً. فالتهاب ليس سبباً وحيداً، بل هو عامل مساهم ضمن عوامل عديدة. فالضعف الوراثي، والصدمات المبكرة في الحياة، والضغوط النفسية والاجتماعية المستمرة، وتكوين الميكروبيوم المعوي، كلها تتفاعل مع الجهاز المناعي بطرق معقدة. علاوة على ذلك، لا تظهر جميع الاضطرابات النفسية البصمة الالتهابية نفسها. فالاضطراب ثنائي القطب والفصام يرتبطان أيضاً بارتفاع السيتوكينات، لكن النمط يختلف عن ذلك الذي يُرى في الاكتئاب الشديد. لا توجد معادلة بسيطة تقول “الالتهاب يساوي المرض النفسي”. لكن وجود هذا الارتباط يفكك ثنائية قديمة ضارة تفصل بين المرض “العضوي” الحقيقي والضعف “الأخلاقي” أو “الشخصي”. فحين يكون لدى مريض بالاكتئاب مؤشرات التهابية مرتفعة، يمكننا أن نريه قراءة بيولوجية، رقماً على صفحة، يثبت معاناته بشكل ملموس كما يثبت الهيموغلوبين السكري داء السكري. وهذا الأمر يزيل الوصمة بعمق.

بالنسبة للنظام الصحي في الأردن، الذي يعاني أصلاً من نقص في الأطباء النفسيين ووصمة اجتماعية كبيرة حول الصحة النفسية، فإن هذا التقدم العلمي يقدم فرصاً عملية. يمكن لأطباء الرعاية الأولية، الذين غالباً ما يكونون أول من يرى المرضى الذين يعانون من إرهاق أو مزاج منخفض غير مفسرين، أن يفكروا في فحص المؤشرات الالتهابية لدى أولئك الذين لديهم حالات جسدية مزمنة مثل السمنة أو السكري أو أمراض القلب، وكلها شائعة في الأردن. فإذا كان مريض بالسكري غير مضبوط بشكل جيد ولديه أيضاً بروتين متفاعل C مرتفع ومزاج منخفض مستمر، فقد يحسّن الطبيب أولاً السيطرة على سكر الدم ويوصي بنظام غذائي مضاد للالتهاب قبل البدء بدواء نفسي. وعلى النقيض، يمكن لمريض يعاني من اكتئاب متكرر مع مؤشرات التهابية طبيعية أن يُجنب علاجات مضادة للالتهاب غير ضرورية.

بالنظر إلى المستقبل، فإن أكثر الاحتمالات إثارة هو تطوير طب نفسي شخصي حقيقي. نحن نتجه نحو مستقبل يوجه فيه ملف الدم والمورثات والحالة الالتهابية للمريض اختيار العلاج، كما يفعل علم الأورام مع علامات الورم. تجري حالياً تجارب على أدوية تثبط السيتوكينات بشكل خاص مثل الإنترلوكين‑6، والنتائج المبكرة لدى مرضى الاكتئاب ذوي الالتهاب المرتفع أساساً مشجعة. بالنسبة للشخص العادي الذي يقرأ هذا المقال في إربد أو الزرقاء، الرسالة مفعمة بالأمل: إن إرهاقك الدائم وحزنك قد لا يكون فشلاً شخصياً، بل حالة بيولوجية قابلة للقياس، والعلم يتعلم كيف يقرؤها ويصححها. وبالنسبة لمهني الرعاية الصحية، فإن نداء العمل واضح: ابدأ بالسؤال ليس فقط عن المزاج، بل عن العبء الالتهابي. إن الحاجز بين علم المناعة والطب النفسي يذوب، وعلى الجانب الآخر منه يوجد طريق أكثر إنسانية وفعالية وقائم على الأدلة لشفاء العقل.

نحب أن نسمع منك

مجلة صحة الأردن

مستشارك الطبي أينما كنت 
مجلة طبية متخصصة في نشر المقالات الطبية المفيدة لصحتكم ولقاءات الحصرية مع أفضل أطباء الأردن

تابعونا على السوشال ميديا