الدكتور منقذ الرواشدة

استشاري عقم وأطفال أنابيب والجراحة النسائية التنظيرية

الحفاظ على الخصوبة قبل علاج السرطان: كيف تحمي المرأة فرصها في الإنجاب؟

في لحظة تشخيص مرض خطير، كالأورام السرطانية أو بعض الأمراض المناعية، لا تكون المخاوف مقتصرة على العلاج فقط، بل تمتد إلى ما بعده: هل ستبقى فرصة الإنجاب ممكنة؟ أصبح هذا السؤال اليوم جزءًا أساسيًا من الرعاية الطبية الحديثة، بعد أن أكدت إرشادات الجمعية الأوروبية للتناسل البشري وعلم الأجنة أن الحفاظ على الخصوبة لم يعد خيارًا ثانويًا، بل حقًا يجب مناقشته مبكرًا مع كل مريضة.

خلال السنوات الأخيرة، تطورت تقنيات طبية قادرة على “تجميد الزمن” بيولوجيًا، مانحةً النساء فرصة حقيقية للأمومة حتى بعد الانتهاء من علاجات قد تؤثر في المبيض. ومن أبرز هذه التقنيات: تجميد البويضات وتجميد أنسجة المبيض.

تجميد البويضات… الخيار الأكثر شيوعًا

تبدأ القصة هنا مع تقنية أصبحت اليوم ركيزة أساسية في طب الخصوبة. تعتمد فكرة تجميد البويضات على تحفيز المبيض لإنتاج عدد من البويضات الناضجة خلال فترة قصيرة نسبيًا، ثم سحبها وتجميدها باستخدام تقنية التزجيج (Vitrification)، وهي طريقة سريعة تمنع تكوّن البلورات داخل الخلايا وتحافظ على جودتها.

تُفضَّل هذه الطريقة عادةً للنساء اللواتي لديهن وقت كافٍ قبل بدء العلاج، إذ يتطلب التحفيز الهرموني ما يقارب أسبوعين. وتشير التوصيات الأوروبية إلى أنه يمكن بدء هذا التحفيز في أي وقت من الدورة الشهرية لتوفير الوقت، وهي نقطة أحدثت فرقًا كبيرًا في الحالات الطارئة.

ورغم أن التقنية فعالة، فإن نجاحها لا يعتمد على الإجراء فقط، بل يرتبط بشكل مباشر بعمر المرأة عند التجميد؛ فكلما كان العمر أصغر، زادت فرص النجاح لاحقًا.

تجميد أنسجة المبيض… حل عندما لا يسمح الوقت بالانتظار

في بعض الحالات، لا يكون هناك متسع من الوقت للانتظار أسبوعين، أو قد لا يكون استخدام الهرمونات ممكنًا طبيًا. هنا تظهر أهمية تقنية أخرى أكثر مرونة، وهي تجميد أنسجة المبيض.

بدلًا من التعامل مع بويضات ناضجة، يتم استئصال جزء صغير من نسيج المبيض الغني بآلاف البويضات غير الناضجة وتجميده مباشرة. وبعد انتهاء العلاج، يمكن إعادة زرع هذا النسيج في الجسم، مما يسمح بعودة الوظيفة الهرمونية، وفي بعض الحالات، حدوث حمل طبيعي.

تُعد هذه التقنية الخيار الوحيد للفتيات قبل سن البلوغ، كما أنها تمثل طوق نجاة للنساء اللواتي يحتجن إلى بدء العلاج فورًا. ورغم أنها أقل شيوعًا من تجميد البويضات، فإنها شهدت تقدمًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، مع تسجيل حالات حمل ناجحة بعد إعادة الزرع.

ليست فقط لمرضى السرطان

قد يعتقد البعض أن هذه التقنيات مخصصة فقط لمرضى الأورام، لكن الواقع أوسع من ذلك. تشمل دواعي الحفاظ على الخصوبة حالات متعددة، مثل أمراض الدم التي تتطلب زراعة نخاع العظم، أو أمراض المناعة الذاتية التي تستدعي علاجات قوية، وحتى بعض الجراحات النسائية التي قد تؤثر في مخزون المبيض.

في جميع هذه الحالات، يصبح القرار الطبي أكثر تعقيدًا، ويتطلب تنسيقًا دقيقًا بين أطباء الأورام وأخصائيي الخصوبة.

القرار يعتمد على الوقت والعمر

رغم تنوع الخيارات، يبقى عاملان أساسيان يحكمان القرار: الوقت المتاح قبل بدء العلاج، وعمر المريضة.

إذا كان هناك متسع من الوقت، غالبًا ما يكون تجميد البويضات هو الخيار الأول. أما في الحالات العاجلة أو الخاصة، فقد يكون تجميد أنسجة المبيض هو الحل الأنسب.

وفي بعض المراكز المتقدمة، يتم الجمع بين الطريقتين لزيادة فرص النجاح، في محاولة لاستثمار كل فرصة ممكنة قبل بدء العلاج.

أكثر من إجراء طبي… قرار حياة

الحفاظ على الخصوبة ليس مجرد تقنية طبية، بل هو قرار يمس جودة الحياة بعد التعافي. لذلك، تشدد التوصيات الأوروبية على ضرورة اتخاذ هذا القرار مبكرًا، وبمشاركة كاملة من المريضة، بعد شرح واضح لجميع الخيارات المتاحة.

في النهاية، لم يعد العلاج يعني التضحية بالمستقبل كما كان في السابق. ومع التقدم المستمر في هذا المجال، أصبحت الفرصة قائمة ليس فقط للشفاء، بل أيضًا للحياة التي كانت المرأة تخطط لها.

نحب أن نسمع منك

مجلة صحة الأردن

مستشارك الطبي أينما كنت 
مجلة طبية متخصصة في نشر المقالات الطبية المفيدة لصحتكم ولقاءات الحصرية مع أفضل أطباء الأردن

تابعونا على السوشال ميديا