الدكتور أحمد المصري

اختصاصي الطب النفسي وعلاج الإدمان

الصحة النفسية بعد الحروب والأزمات

تترك الحروب آثاراً نفسية تمتد أطول بكثير من انتهاء القتال. فالأزمة لا تنتهي عند لحظة الصدمة، بل تستمر في تفاصيل الحياة اليومية، وتظهر على شكل تغيّرات في طريقة تفكير الإنسان، مشاعره، نظرته للأمان، وقدرته على مواصلة حياته بشكل طبيعي. وفي مجتمعاتنا التي تعيش أزمات متكررة، يصبح الحديث عن الصحة النفسية ضرورة وليس ترفاً.

تُظهر الدراسات أن الدماغ يدخل حالة تأهّب مستمرة عند التعرّض للعنف أو المشاهد الصادمة، حيث يبقى الجهاز العصبي في وضع “الطوارئ”. هنا تبدأ الأعراض: اضطرابات النوم، فرط اليقظة، صعوبات التركيز، شعور دائم بالخطر، وحتى أعراض جسدية مثل الصداع والتوتر العضلي. ومع استمرار الضغوط، قد تتطور هذه الاستجابات إلى اضطراب الكرب ما بعد الصدمة أو حالات قلق واكتئاب بدرجات مختلفة.

لكن المعاناة في سياق الحروب ليست فردية فقط، بل جمعية أيضاً. تأثير “الصدمة الجماعية” يُضاعف الحمل النفسي: الإنسان يحمل ألمه وألم الآخرين، يشعر بعدم اليقين، ويعيش فقدان السيطرة في محيط كامل مضطرب. هنا يبرز دور المجتمع، لأن الدعم الاجتماعي يصبح عاملاً حقيقياً في إعادة التوازن؛ مساحة تساعد الفرد على التعبير، المشاركة، واستعادة إحساسه الطبيعي بذاته.

العلاج في مثل هذه الظروف لا يقتصر على الجلسات التقليدية. بل يبدأ بثلاثة عناصر أساسية:
إعادة الإحساس بالأمان ولو بشكل نسبي. 1
تثبيت الوظائف اليومية مثل النوم، الغذاء، وتنظيم الروتين .2
3.استعادة الشعور بالسيطرة على جوانب بسيطة من الحياة، كخطوات أولى نحو التعافي

ويُعد تدريب الكوادر الصحية والعاملين في الميدان أمراً محورياً، فهم يتعاملون يومياً مع قصص الألم، مما يعرضهم لصدمات ثانوية قد لا ينتبهون لها. هؤلاء يحتاجون إلى دعم نفسي منظم يساعدهم على الاستمرار دون استنزاف.

ومع كل هذا الثقل، يظل شيء لافت في التجربة الإنسانية: القدرة على الصمود. ليس الصمود بمعنى القوة الصامتة أو تجاهل الألم، بل القدرة على الاستمرار رغم الثقل. كثيرون يعيدون بناء أنفسهم، يعثرون على معنى جديد، ويكتشفون قوة داخلية لم يكونوا يعرفونها. وهنا يظهر الدور العلاجي الحقيقي: أن نساعد الإنسان على رؤية الجزء السليم فيه، لا الجزء المكسور فقط.

ختاماً، تبقى مسؤوليتنا اليوم – كمتخصصين ومجتمع – أن نوفر لغة آمنة للحديث عن الألم، وأن نتعامل مع تجارب الصدمة بجدية واحترام، دون تهويل أو تقليل. الحرب تترك ندوباً، لكن الدعم العلاجي والاجتماعي قادر على تحويل هذه الندوب إلى بداية جديدة… بداية أكثر نضجاً، وأكثر وعياً، وأكثر إنسانية.

error
fb-share-icon
نحب أن نسمع منك

مجلة صحة الأردن

مستشارك الطبي أينما كنت 
مجلة طبية متخصصة في نشر المقالات الطبية المفيدة لصحتكم ولقاءات الحصرية مع أفضل أطباء الأردن

تابعونا على السوشال ميديا