التخدير .. وأسرار الغازات الطبية

التخدير .. وأسرار الغازات الطبية

عمان – صحة الأردن – تقرير : جميل السمكي

تؤدي الغازات الطبية وعلى رأسها “الأكسجين” دوراً مفصلياً بالغ الأهمية والخطورة في عالم التخدير والإنعاش الطبي، ففي حين يعتبر التخدير ركناً أساسياً في نجاح العمل الجراحي، فان الغازات الطبية بدورها تشكل مستلزماً رئيساً من مستلزمات التخدير نفسه، ويقول استشاري ورئيس قسم التخدير في مستشفى الأردن الدكتور معاوية عبابنة في حديث لمجلة “صحة الأردن” : ” إن “الأكسجين” – وهو أكثر الغازات الطبية استخداماً – يجب أن يعطى بمقدار معين وفقاً لحالة المريض”، الأمر الذي يؤشر على أهمية نسبة تركيز الأكسجين إضافةً إلى نقائه كي يحقق شروط الاستخدام وفقاً للدساتير العالمية مثل : United State Pharmacy ,British Pharmacy , British Journal Of Anaesthesia،ويضيف الدكتور عبابنه : ” أن التخدير والإنعاش الطبي حقق تطوراً هائلاً على مدار العقود الماضية، ووصل إلى أرقى مستوياته وتقنياته، التي انعكست على درجات السلامة والأمان بالنسبة للمرضى، الأمر الذي يجب أن تتغير معه كافة المخاوف والهواجس والأفكار المغلوطة التي ما تزال تسكن نفوس وأذهان الكثير من الناس حول التخدير والإنعاش”.

الغازات الطبية وأهميتها

يشير الدكتور معاوية عبابنة إلى أن الغازات الطبية المستخدمة حالياً في غرف العمليات هي (الأكسجين، أكسيد النيتروز أو الغاز الضحاك، سيفوفلورين، الآيزو فلورين، الدسفلورين، والهالوثين)،  ويكون دورها استكمال السيطرة على مرحلة فقدان الوعي لدى المريض لساعات طويلة أو قصيرة، حسب حالة المريض أو العملية الجراحية، وهناك عمليات جراحية تستمر لنحو (16) ساعة كما يقول الدكتور عبابنة، مثل عملية زراعة الكبد على سبيل المثال، حيث يتم في البداية إعطاء المريض أدوية فقدان الوعي لتهيئته للعملية ومن ثم تكمل الغازات استمرار حالة فقدان الوعي عند المريض، هذا عوضاً عن استخدام هذه الغازات وخاصة الأكسجين في قسم الحضانة والعناية المركزة أيضاً.

ويضيف الدكتور عبابنة أن المستشفيات عادةً تتزود بالأكسجين من خلال خزانات موجودة لديها يتم تأمينها بكميات كبيرة من الأكسجين من الموردين، وهناك مراحل مختلفة تخضع لها عملية وصول الأكسجين للمريض باستخدام أجهزة طبية متطورة للمراقبة والتحكم وقياس نسبة التركيز والنقاء، وعن طريق هذه الأجهزة نحصل على نسبة تركيز تتراوح بين (99-100%)في العمليات الجراحية، وهو مراقب طوال الوقت، مع العلم بأن نسبة الأكسجين في الهواء النقي هي (21%).

متى يكون الأكسجين ساماً ؟

ويعد الأكسجين (عقاراً) كما يقول الدكتور عبابنة، ولذلك يجب أن يعطى بقدر معين تبعاً لحالة المريض، حتى نتجنب الخطورة، فإذا أعطي المريض أكسجين بنسبة تركيز (100%) يحل الأكسجين محل النيتروجين بالرئتين ويؤدي ذلك إلى حدوث التصاق الحويصلات ببعضها البعض، ومن ثم عدم قدرتها على تبديل غاز ثاني أكسيد الكربون من الجسم، وارتخاء الرئتين وعدم قيامها بوظائفها الحيوية. أما حديثي الولادة فلا يمكن إعطاؤهم أكسجين بنسبة تركيز تزيد عن (60%)، لأن ذلك يؤثر على تلف شبكية العينين والعمى الدائم.

لكن هناك حالات خاصة يمكن إعطاء الأكسجين بنسبة تركيز عالية،  مثل التهاب الرئوي الحاد على سبيل المثال، ويكون ذلك لفترة وجيزة وتحت المراقبة.

ويؤكد الدكتور عبابنة أن الأجهزة الحديثة والمتطورة التي تستخدم أثناء العملية لمراقبة الضغط الشرياني ونبضات القلب وكمية الأكسجين في الدم أثناء التخدير، تلعب دوراً كبيراً في سلامة الغازات الطبية التي تصل إلى المريض ومنع حدوث أي خطأ أو خلط غير صحيح، وهي تراقب على مدار الساعة وفي حال حدوث خلل تنبه الطبيب من خلال إشارة (Alarm)، ولذلك فالغازات الطبية آمنة ومراقبة باستمرار.

تصفية الأكسجين من الهواء

ويستطرد الدكتور عبابنة قائلاً :  إن تطور طب التخدير رافقه كذلك تطور في تقنيات عالمية للحصول على الأكسجين، حيث توفرت حالياً أجهزة لتجميع الأكسجين عن طريق الهواء، وهذه الأجهزة تم اللجوء إليها في ظل ارتفاع كلف تصنيع الأكسجين، وتوفر هذه الأجهزة الأكسجين النقي وبنسبة تركيز تصل إلى (93%)، وهي نسبة مطابقة للدساتير العالمية المذكورة والتي نصت صراحة على أن نسبة تركيز الأكسجين الطبي تتراوح ما بين (90% – 96%)، مشيراً إلى أن تصفية الأكسجين من الهواء تعد تقنية مجدية اقتصادياً ومريحة للمستشفيات، ويمكن استعمالها للمرضى في البيوت أيضاً، بينما هناك أجهزة كبيرة الحجم تستخدم محلياً في المستشفيات منذ ثلاث سنوات تقريباً.

التدخين والتخدير

وحول أثر التدخين على فعالية التخدير يبين الدكتور عبابنة أن رئتي المدخن تصدر البلغم إلى خارج الجسم نتيجة الحركة المستمرة لشعيرات القصبات التي تتجه للأعلى، وأثناء تدخين سيجارة واحدة من قبل المدخن يتوقف عمل الشعيرات لمدة (4) ساعات، مما يؤدي إلى تجميع إفرازات غير نظيفة في الرئتين ويصبح من غير الممكن إخراجها، وإذا كان المدخن مدمناً يؤدي ذلك إلى تلف الشعيرات تلفاً دائماً.

ويضيف الدكتور عبابنة إلى أن نسبة تشبع الدم بالأكسجين عند الإنسان العادي هي (98%)، ومن المعروف أن الدم يعشق غاز أول أكسيد الكربون (250) مرة ضعف الأكسجين، وعند تدخين المدخن السيجارة ينطلق غاز أول أكسيد الكربون ليحل محل الأكسجين في الدم، وبالتالي يؤدي نقص تشبع الأكسجين بالدم إلى وصوله لنسبة تركيز (93%) أو أقل، وهذا ليس بسيطاً لمن لديه عملية جراحية، فالأكسجين يكون قليلاً وحتى بعد إضافة الأكسجين فان أول أكسيد الكربون يحل محله.

ثقافة مغلوطة

(ما تحملش البنج) .. هذه العبارة الخاطئة التي يكررها الناس – كما يقول الدكتور عبابنة – هي جزء من الأفكار التي تدور برؤى الكثيرين وتعكس تخوفات استوطنت في نفوسهم بسبب معلومات خاطئة تشبعوا بها، مشيراً إلى أن قطاع التخدير ما زال يعاني من الصورة النمطية والثقافة المغلوطة الموجودة في أذهان الكثيرين عن طب التخدير، وهناك ضرورة ملحة لتثقيف المواطنين والمرضى بشكل عام بحقيقة هذا الاختصاص الطبي، لإزالة القلق الموجود لديهم، ودعا الدكتور العبابنة إلى تنظيم (يوم مفتوح) في كل عام، أسوةً بالدول المتقدمة يتم فيه تنظيم المحاضرات والتوعية والتثقيف في المولات والأماكن العامة، مع ضرورة التركيز على فئة الأطفال واستخدام مبدأ الوضوح والشفافية من قبل الأهل في التعامل مع أطفالهم عند خضوعهم لعملية جراحية أوالبنج، حتى لا يفقد الطفل الثقة بمن حوله، منوهاً إلى وصول طب التخدير اليوم إلى مستويات غير مسبوقة في السلامة والأمان للمرضى بفضل التقدم العلمي وتطور الأجهزة والأدوية.

عن admin

تعليق واحد

  1. مقال ثري جدا بالمعلومات الطبية القيمة
    انا كطبيبة بغير قسم التخدير استفدت كثيرا من هذا المقال.
    المعلومات مفيدة للجميع داخل او خارج الوسط الطبي.
    عمل اكثر من رائع.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>