الدكتور وليد شنيقات

مستشار الطب النفسي والإدمان

الرفيق الصامت: فهم القلق في حياتنا الأردنية المعاصرة

أنت جالس في سيارتك، عالق في الزحام المعتاد على شارع المدينة الطبية في عمان.
الاجتماع بدأ منذ عشر دقائق. هاتفك يهتز – رسالة من مديرك. فجأة، يبدأ قلبك في
الخفقان بسرعة. تتعرق راحتا يديك على عجلة القيادة. تموج موجة من الحرارة في
جسدك، وللحظة، يبدو أنك لا تستطيع التقاط أنفاسك. تقول لنفسك: “خلاص، إنه
مجرد زحام، تماسك”، لكن الشعور غامر.
إذا كان هذا المشهد، أو ما يشبهه، مألوفًًا لديك، فاعلم من فضلك أنك لست وحدك أبدًًا.
ما وصفته للتو هو نوبة ذعر نموذجية، واحدة من الوجوه العديدة للقلق. في عيادتي،
من عمان إلى إربد، أرى هذا “الرفيق الصامت” يرافق عددًًا متزايدًًا من مرضاي. هو الطالب
الجامعي الذي لا يستطيع النوم ليلة الامتحان، والأم الشابة التي تغمرها المخاوف
المستمرة على سلامة أطفالها، ورجل الأعمال الناجح الذي يشعر بعقدة في معدته
كل مساء سبت.
اليوم، أريد التحدث بصراحة عن القلق: ما هو حقًًا، ولماذا يحدث، وكيف يمكننا بأدب أن
نريه الباب. إنه ليس مجرد “توتر عصبي” – إنه نظام الإنذار في جسدك.
يأتي كثير من الناس إلى عيادتي ويقولون: “دكتور، أعرف أنه لا ينبغي لي أن أشعر بهذا.
حياتي جيدة. عائلتي بخير. يجب أن أكون ممتنًًا”. إنهم يشعرون بالذنب فوق قلقهم.
هذا هو سوء الفهم الأول الذي يجب أن نصححه.
القلق ليس فش الًا شخصيًًا أو علامة على ضعف الإيمان. هو في المقام الأول استجابة
بيولوجية. ف ك� رّ فيه على أنه نظام الإنذار الداخلي في جسدك. هذا النظام، الذي
غالبًًا ما يسمى استجابة “الكر والفر”، كان ضروريًًا لبقاء أسلافنا. كان يفرز الأدرينالين
والكورتيزول لمساعدتهم على الهرب من حيوان مفترس أو مواجهة خطر.
في عالمنا الحديث، تغيرت “الحيوانات المفترسة”. أصبحت الآن ضغوطًًا مالية، وتوقعات
اجتماعية، ودورات أخبار مستمرة، والسعي الدؤوب نحو الكمال. المشكلة هي أن نظام
الإنذار هذا المتطور لا يستطيع التمييز بين أسد حقيقي وبين بريد إلكتروني من مديرك.
فهو يدق على أي حال. وعندما يطلق العيار بشكل خاطئ كثيرًًا، أو يعلق في وضع
“التشغيل”، يتحول إلى اضطراب قلق.
القلق لا يبدو نفسه لدى الجميع. فهو يرتدي أقنعة عديدة:
1. المُُفكر المفرط )اضطراب القلق العام(: هذه حالة من القلق المستمر والمفرط حول
أمور الحياة اليومية – المال، الصحة، الأسرة، العمل. إنها ضجة خلفية مستمرة من “ماذا
لو؟” يصعب السيطرة عليها. غالبًًا ما تجلب أعراضًًا جسدية مثل التململ والتعب وتوتر
العضلات.
2. العاصفة المفاجئة )اضطراب الهلع(: يتضمن هذا نوبات مفاجئة وشديدة من
الخوف تثير ردود فعل جسدية حادة – خفقان القلب، التعرق، الارتجاف، ضيق التنفس،
شعور بالهلاك الوشيك – عندما لا يوجد خطر حقيقي. إن الخوف من النوبة التالية يمكن
أن يصبح في حد ذاته مصدرًًا للقلق.
3. الظل الاجتماعي )اضطراب القلق الاجتماعي(: خوف شديد من أن يتم الحكم
عليك، أو إحراجك، أو إهانتك في المواقف الاجتماعية. إنه أكثر من الخجل؛ يمكن أن يؤدي
إلى تجنب التجمعات، أو العروض التقديمية، أو حتى تناول الطعام في الأماكن العامة.
مجتمعنا الأردني، بروابط الأسرة العميقة وروح المجتمع القوية، هو مصدر عظيم
للصمود. ومع ذلك، فإننا نواجه أيضًًا ضغوطًًا فريدة. التحديات الاقتصادية حقيقية
وحاضرة دائمًًا. التأكيد الثقافي على الإنجاز العالي والحفاظ على صورة معينة يمكن
أن يكون ثقيلاًً. التعرض المستمر للاضطرابات الإقليمية عبر الأخبار ووسائل التواصل
الاجتماعي يمكن أن يخلق شعورًًا منتشرًًا بعدم اليقين. علاوة على ذلك، ما زلنا نتعامل
مع مفهوم الصحة النفسية. الوصمة – العيب أو العار المرتبط بطلب المساعدة – هي
حاجز كبير. كثيرون يفضلون المعاناة في صمت على أن يتم وسمهم ب “مجنون” أو
“ضعيف”. قد يكون هذا أكبر التحديات التي نواجهها: جعل الحديث عن رفاهنا النفسي
أمرًًا طبيعيًًا.
الأخبار السارة هي أن القلق قابل للعلاج بدرجة كبيرة. لا يجب عليك فقط “التعايش
معه”. العلاج لا يتعلق بتخدير نفسك أو أن تصبح شخصًًا مختلفًًا؛ إنه يتعلق بخفض
صوت نظام الإنذار المعطوب لديك واستعادة السيطرة:
1. العلاج النفسي: قوة الكلام. المعيار الذهبي للعديد من اضطرابات القلق هو نوع من
العلاج يسمى العلاج السلوكي المعرفي. ببساطة، يساعدك العلاج السلوكي المعرفي
على تحديد الأفكار المشوهة والسلبية التي تغذي قلقك )”سأفشل”، “الجميع سيسخر
مني”( واستبدالها بأفكار أكثر توازنًًا وواقعية. الأمر يشبه أن تكون محققًًا في أفكارك
الخاصة. يعطيك المعالج أدوات عملية لإدارة الأعراض ومواجهة المواقف المخيفة
بشكل تدريجي.
2. الدواء: إعادة التوازن. في بعض الأحيان، يكون إنذار القلق عاليًًا جدًًا لدرجة أنه من
الصعب حتى الانخراط في العلاج. هذا هو المكان الذي يمكن أن يكون فيه الدواء أداة
حيوية. مضادات الاكتئاب الحديثة )مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية ومثبطات
استرداد السيروتونين والنورأدرينالين( ليست مسببة للإدمان وهي فعالة جدًًا في علاج
القلق. إنها تعمل على المساعدة في تصحيح الخلل في بعض المواد الكيميائية في
الدماغ )مثل السيروتونين( التي تنظم المزاج والخوف. فكر في الأمر وكأنه يساعد في
إصلاح توصيلات نظام الإنذار نفسه. غالبًًا ما يُُستخدم الدواء بشكل مؤقت، لمدة 6- 12
شهرًًا، بالاشتراك مع العلاج للحصول على أفضل النتائج طويلة المدى.
3. التعديلات على نمط الحياة: بناء أساس من الهدوء. لعاداتنا اليومية تأثير عميق
على القلق:
•النوم: اعط الأولوية لنوم نوعي لمدة 7- 8 ساعات. القلق يزدهر في ظل الإرهاق.
•الكافيين والسكر: قلل منهما. هما من المنشطات التي يمكن أن تثير نوبات الهلع.
•الحركة: المشي لمدة 30 دقيقة يوميًا هو دواء قوي مضاد للقلق. إنه يحرق
الأدرينالين الزائد ويطلق الإندورفين.
•التنفس: عندما تشعر بالقلق، يصبح تنفسك سطحيًا. مارس التنفس
البطني العميق والبطيء. إنه يشير إلى جهازك العصبي ليهدأ.
•التواصل: تحدث إلى شخص تثق به. العزلة تغذي القلق.
إلى مزودي الرعاية الصحية الذين يقرأون هذا: أنتم على الخط الأمامي. قد يأتي
المريض يشكو من صداع، أو أرق، أو اضطرابات في الجهاز الهضمي – وهي المظاهر
الجسدية للقلق. من خلال طرح بعض الأسئلة البسيطة – “كيف كان مستوى توترك؟” أو
“هل أنت تقلق أكثر من المعتاد؟” – يمكنك فتح باب. جعل هذا الحديث أمرًًا طبيعيًًا في
عيادتك أو صيدليتك يمكن أن يكون الخطوة الأولى للمريض للحصول على المساعدة
الخاصة التي يحتاجها.
ولكل شخص جالس في غرفة انتظار العيادة، يشعر بأن رفيق القلق الصامت بجانبه:
مشاعرك صحيحة. كفاحك حقيقي. لكنه ليس هويتك، وليس قدرك. طلب المساعدة
ليس علامة ضعف؛ بل هو واحدة من أجرأ الخطوات وأكثرها ذكاءًً التي يمكنك اتخاذها
من أجل نفسك وعائلتك.

error
fb-share-icon
نحب أن نسمع منك

مجلة صحة الأردن

مستشارك الطبي أينما كنت 
مجلة طبية متخصصة في نشر المقالات الطبية المفيدة لصحتكم ولقاءات الحصرية مع أفضل أطباء الأردن

تابعونا على السوشال ميديا